أبي منصور الماتريدي

259

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ومخالفتكم إياه في الخروج وإرادتكم العير . أو أن يقال : لولا أن من حكم الله ألا يعذب أحدا ولا يؤاخذه في الخطأ في العمل بالاجتهاد « 1 » وإلا لمسكم فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ، ويكون قوله : أَخَذْتُمْ أي :

--> ( 1 ) هنا لا بد أن نتعرض إلى بيان محل الاجتهاد ، فنقول : كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي هو محل الاجتهاد ؛ فلا يجوز الاجتهاد فيما ثبت بدليل قطعي كوجوب الصلوات الخمس والزكوات وباقي أركان الإسلام ، وما اتفقت عليه جليات الشرع التي تثبت بالأدلة القطعية . فالاجتهاد المقصود هنا هو الاجتهاد في الظنيات . والاجتهاد بالظنيات عند الجمهور حكمه غلبة الظن بأن ما وصل إليه المجتهد باجتهاد هو الحكم الصواب ويحتمل أن يكون خطأ عند أهل السنة ، والمراد بالصواب : الموافقة لما عند الله في الواقع ونفس الأمر . والمراد بالخطإ : المخالفة لما عند الله في الواقع ونفس الأمر . وأصحاب هذا الرأي يطلق عليهم اسم : المخطئة ، ورأيهم هو المختار عند الحنفية وعامة الشافعية . وعامة المعتزلة يقولون : كل مجتهد مصيب . وهذا الخلاف بين أهل السنة وبين عامة المعتزلة ناشئ عن الخلاف في أن لله تعالى حكما معينا قبل الاجتهاد أولا . فعند أهل السنة لكل حادثة حكم معين عند الله - تعالى - عليه دليل ظني : إن وجده المجتهد أصاب وله أجران وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد فقط ، فإذا اجتهدوا في حادثة وكان لكل مجتهد حكم فالحكم عند الله تعالى واحد وغيره الخطأ . وقالت المعتزلة : لا حكم قبل الاجتهاد بل الحكم تابع لظن المجتهد حتى كان الحكم عند الله تعالى في حق كل واحد مجتهد هو وكل المجتهدات صوابا ، فكأن الشرع يقول : كل ما وصل إليه المجتهد باجتهاده فهو الحكم في حقه ، وأصحاب هذا الرأي يطلق عليهم اسم : المصوّبة . وقد استدل القائلون بأن الحق واحد - وهم الأئمة الأربعة وعامة الأصوليين من أهل السنة - بأدلة منها : أما الكتاب فقوله تعالى : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [ الأنبياء : 78 - 79 ] . وجه الدلالة : أنه تعالى خص سليمان بالفهم في قوله : « ففهمناها سليمان » ، ومنّ عليه ، وكمال المنة في إصابة الحق ، فلو كانا مصيبين لما كان لتخصيص سليمان بالفهم فائدة ، ولا مانع من القول بمفهوم المخالفة في هذا الموضع عند الحنفية ، وواضح أنهما حكما بالاجتهاد ؛ لأنه لو كان حكم داود بالنص لما وسع سليمان مخالفته ، ولما جاز رجوع داود عنه . وأما السنة فهي الأحاديث الدالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ وهي كثيرة ، منها : ما روي أنه - عليه السلام - قال : « جعل الله للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا » . وقال ابن حزم الظاهري : أقسام المجتهدين بقسمة العقل الضرورية لا تخرج عن ثلاثة أقسام عندنا : مصيب نقطع على صوابه ، ومخطئ نقطع على خطئه ، عند الله تعالى ، أو متوقف فيه لا ندري أمصيب عند الله تعالى أم مخطئ . وإن أيقنا أنه في أحد الخيرين عند الله تعالى بلا شك ؛ لأن الله تعالى لا يشك بل عنده علم حقيقة كل شيء لكنا نقول : مصيب عندنا ، ومخطئ عندنا ، أو نتوقف فلا نقول : إنه عندنا مخطئ ولا مصيب وإنما هذا فيما لم يقم على حكمه عندنا دليل أصلا ، وما كان -